محمد بن جرير الطبري

200

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يحيط به . قالوا : ونظير جواز وصفه بأنه يرى ولا يدرك جواز وصفه بأنه يعلم ولا يحاط به ، وكما قال جل ثناؤه : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ . قالوا : فنفى جل ثناؤه عن خلقه أن يكونوا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء . قالوا : ومعنى العلم في هذا الموضع : المعلوم ؛ قالوا : فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء نفي عن أن يعلموه . قالوا : فإذا لم يكن في نفي الإحاطة بالشيء علما نفي للعلم به ، كان كذلك لم يكن في نفي إدراك الله عن البصر نفي رؤيته له . قالوا : وكما . جاز أن يعلم الخلق أشياء ولا يحيطون بها علما ، كذلك جائز أن يروا ربهم بأبصارهم ولا يدركوه بأبصارهم ، إذ كان معنى الرؤية غير معنى الإدراك ، ومعنى الإدراك غير معنى الرؤية ، وأن معنى الإدراك : إنما هو الإحاطة ، كما قال ابن عباس في الخبر الذي ذكرناه قبل . قالوا : فإن قال لنا قائل : وما أنكرتم أن يكون معنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لا تراه الأبصار ؟ قلنا له : أنكرنا ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه أن وجوها في القيامة إليه ناظرة ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر أمته أنهم سيرون ربهم يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب . قالوا : فإذ كان الله قد أخبر في كتابه بما أخبر وحققت أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا عنه من قيله صلى الله عليه وسلم أن تأويل قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ أنه نظر أبصار العيون لله جل جلاله ، وكان كتاب الله يصدق بعضه بعضا ، وكان مع ذلك غير جائز أن يكون أحد هذين الخبرين ناسخا للآخر ، إذ كان غير جائز في الأخبار لما قد بينا في كتابنا : " كتاب لطيف البيان عن أصول الأحكام " وغيره ؛ علم أن معنى قوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ غير معنى قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ فإن أهل الجنة ينظرون بأبصارهم يوم القيامة إلى الله ولا يدركونه بها ، تصديقا لله في كلا الخبرين وتسليما لما جاء به تنزيله على ما جاء به في السورتين . وقال آخرون : معنى ذلك : لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار . ذكر من قال ذلك . حدثنا محمد بن الحسين ، ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لا يراه شيء ، وهو يرى الخلائق . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد كذب لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ولكن قد رأى جبريل في صورته مرتين . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن عامر ، عن مسروق ، قال : قلت لعائشة : يا أم المؤمنين : هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : سبحان الله ، لقد قف شعري مما قلت ثم قرأت : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبد الأعلى وابن علية ، عن داود ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة بنحوه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، قال : قالت عائشة : من قال : إن أحدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله ، قال الله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ . فقال قائلوا هذه المقالة : معنى الإدراك في هذا الموضع : الرؤية ، وأنكروا